الجمعة، 28 يوليو 2017


"شعراء العرب و الجن"
.
.
قال ابن المروزي : حدثني أبي قال: خرجت على بعير لي صعبٍ، يمر بي لا يملكني من أمر نفسي شيئاً، حتى مر على جماعة ظباءٍ في سفح جبل على قلته رجلٌ عليه أطمارٌ له، فلما رأتني الظباء هربت .
فقال: ما أردت إلى ما صنعت؟!
إنكم لتعرضون بمن لو شاء قدعكم عن ذلك !

قال: فدخلني عليه من الغيظ ما لم أقدر أن أحمله .
فقلت: إن تفعل بي ذلك لا أرضى لك، فضحك .
ثم قال: إمض عافاك الله لبالك .
قال: فجعلت أردد البعير في مراعي الظباء لأغضبه، فنهض وهو يقول: إنك لجليد القلب! ثم أتاني فصاح ببعيري صيحةً ضرب بجرانه الأرض، ووثبت عنه إلى الأرض، وعلمت أنه جان !
فقلت: أيها الشيخ! إنك لأسوأ مني صنيعاً. فقال: بل أنت أظلم وألأم، بدأت بالظلم ثم لؤمت في تركك المضي، فقلت: أجل! عرفت خطئي.
قال: فاذكر الله فقد رعناك، وبذكر الله تطمئن القلوب، فذكرت الله تعالى، ثم قلت دهشاً: أتروي من أشعار العرب شيئاً؟
فقال: نعم!
أروي وأقول قولاً فائقاً مبرزاً.
فقلت: فأرني من قولك ما أحببت، فأنشأ يقول:
"البسيط"
.
.
طافَ الخيالُ علَينا لَيلةَ الوادي
من آلِ سَلمى ولم يُلمِمْ بميْعادِ
أنّى اهتَديتَ إلى مَن طالَ لَيلُهُمُ
في سَبسبٍ ذاتِ دَكْدَاكٍ وأعقادِ
يُكَلِّفُونَ فَلاها كلَّ يَعْمَلَةٍ
مثلَ المَهاةِ، إذا ما حَثَّها الحادي
أَبلِغْ أبا كَرَبٍ عنّي وأُسْرَتَهُ
قولاً سَيَذهَبُ غَوراً بعدَ إنجادِ
لا أعرِفَنَّكَ بَعْدَ اليَومِ تَندُبُني
وفي حَياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي
أمَّا حِمامُكَ يوماً أنتَ مُدرِكُهُ
لا حاضرٌ مُفلِتٌ منهُ، ولا بادِ
.
.
فلما فرغ من إنشاده قلت: لهذا الشعر أشهر في معد بن عدنان من ولد الفرس الأبلق في الدهم العراب هذا لعبيد بن الأبرص الأسدي، فقال: ومن عبيد لولا هبيد!
فقلت: ومن هبيد؟
فأنشأ يقول: "المتقارب"
.
.
أنا ابنُ الصّلادِمِ أُدعى الهبيدَ
حبَوتُ القَوافيَ قَرْمَيْ أسَدْ
عَبيداً حَبَوتُ بمأْثُورَةٍ
وأَنْطَقْتُ بِشراً على غَيرِ كَدّ
ولاقَى بمُدرِكَ رَهطُ الكُمَيتِ
مَلاذاً عَزيزاً ومَجداً وَجَدّ
مَنحاناهُمُ الشِّعرَ عن قُدرَةٍ
فهَل تَشْكُرُ اليَومَ هذا مَعَدّ
.
.
فقلت: أما عن نفسك فقد أخبرتني، فأخبرني عن مدرك، فقال: هو مدرك بن واغم، صاحب الكميت، وهو ابن عمي، وكان الصلادم وواغم من أشعر الجن .
ثم قال: لو أنك أصبت من لبنٍ عندنا؟
فقلت: هات، أريد آلأنس به، فذهب فأتاني بعسٍّ فيه لبن ظبي، فكرهته لزهومته فقلت: إليك، ومججت ما كان في فمي منه، فأخذه ثم قال: إمض راشداً مصاحباً!
فوليت منصرفاً فصاح بي من خلفي: أما إنك لو كرعت في بطنك العس لأصبحت أشعر قومك.
قال أبي: فندمت أن لا أكون كرعت عسه في جوفي على ما كان من زهومته، وأنشأت أقول في طريقي : "الطويل"
أسِفتُ على عُسِّ الهَبيدِ وشُربِهِ
لَقَدْ حَرَمَتْنيهِ صُرُوفُ المَقادِرِ
ولو أنَّني إذْ ذاك كنتُ شَرِبتُهُ
لأصْبَحتُ في قَوميْ لَهم خيرَ شاعرِ


وعنه قال: قال مظعون بن مظعون بن مظعون الأعرابي: لما حدثني أبي بهذا الحديث عن نفسه لهجت به، وتعرضت لما كان أبي يتعرض له من ذلك، وأحببت، إذ علمت أن لشعراء العرب شياطين تنطق به على ألسنتها، أن أعرف ذلك، ورجوت أن ألقى هاذراً أو مدركاً اللذين ذكر الهبيد لأبي، وكنت أخرج في الفيافي ليلاً ونهاراً، تعرضاً لذلك، ولم أكن ألقى راكباً إلا ذاكرته شيئاً مما أنا فيه، فلا يزال الرجل يخبرني بما استدل على ما سمعت حتى جمعت من ذلك علماً حسناً، ثم كبرت سني وضعفت ولزمت زرود، فكنت إذا ورد علي الرجل سألته عن ذلك، فوالله إني ليلةً من ذلك لبقناء خيمةٍ لي إذ ورد علي رجلٌ من أهل الشام، فسلم ثم قال: هل من مبيتٍ؟
فقلت: أنزل بالرحب والسعة!
قال: فنزل، فعقل بعيره ثم أتيته بعشاءٍ فتعشينا جميعاً، ثم صف قدميه يصلي حتى ذهبت هدأةٌ من الليل، وأنا وابناي أرويهما شعر النابغة، إذ أنفتل من صلاته، ثم أقبل بوجهه إلي فقال: ذكرتني بهذا الشعر أمراً أحدثك به، أصابني في طريقي هذا منذ ثلاث ليال.
.
.
فأمرت ابني فأنصتا ثم قلت له: قل !
فقال: بيننا أنا أسير في طريقي ببلقعةٍ من الأرض لا أنيس بها إذ رفعت لي نارٌ فدفعت إليها، فإذا بخيمةٍ، وإذ بفنائها شيخٌ كبير، ومعه صبيةٌ صغارٌ، فسلمت ثم أنخت راحلتي آنساً به تلك الساعة .
فقلت: هل من مبيتٍ؟
قال: نعم في الرحب والسعة!
ثم ألقى إلي طنفسة رحلٍ، فقعدت عليها، ثم قال: ممن الرجل؟
فقلت: حميريٌّ شامي، قال: نعم أهل الشرف القديم.
ثم تحدثنا طويلاً إلى أن قلت: أتروي من أشعار العرب شيئاً؟
قال: نعم، سل عن أيها شئت!
قلت: فأنشدني للنابغة!
قال: أتحب أن أنشدك من شعري أنا؟
قلت: نعم!
فاندفع ينشد لمرىء القيس والنابغة وعبيد ثم اندفع ينشد للأعشى .
فقلت: لقد سمعت بهذا الشعر منذ زمانٍ طويلٍ. قال: للأعشى؟
قلت: نعم!
قال: فأنا صاحبه.
قلت: فما اسمك؟
قال: مسحلٌ السكران بن جندل، فعرفت أنه من الجن فبت ليلةً ألله بها عليمٌ ثم قلت له: من أشعر العرب؟ قال: إرو قول لافظ بن لاحظ وهيابٍ وهبيدٍ وهاذر بن ماهر، قلت: هذه أسماء لا أعرفها.
قال: أجل! أما لافظٌ فصاحب امرىء القيس، وأما هبيد فصاحب عبيد بن الأبرص وبشر، وأما هاذرٌ فصاحب زياد الذبياني، وهو الذي استنبغه. ثم أسفر لي الصبح، فمضيت وتركته. قال المروزي : فحسن لي حديث الشامي حديث أبي. ... انتهى .
.
.
المصدر :
"جمهرة اشعار العرب لأبي زيد القرشي"

"الْمَسْعُودُ|هُمَٰيُونْ"
https://t.me/shah_zadah

"وحيٌ منْ التَاريخ"

السبت، 22 يوليو 2017

"الحضارات و الدول القديمة وأنبياء الله لهم"
#أصدقاء_شاهزاده
#همايون
#سلسلة_التاريخ_القديم
#من_التاريخ_القديم #حضارات_ما_قبل_الإسلام
" الجزء الأخير "
" #حضارة_الجزيرة_العربية "


جزيرة العرب :

العرب هم الجنس الأول الذي تلقى الإسلام. وحمل ألويته ودعوته. فجدير بنا أن نتعرف عليهم. يطلق مسمى العرب على الأقوام التي عاشت في شبه الجزيرة العربية.

* وهذه الجزيرة يمكن أن نقسمها إلى قسمين :-
.
.
- قلب الجزيرة: وهي بادية، وأهم مناطقها نجد.
- دائر الجزيرة: وسكانها حضر، وأهم مناطقها: اليمن جنوباً، وغسان شمالاً، الإحساء والبحرين شرقاً، الحجاز غرباً.


* أقسام العرب:-

الجنس العربي هو أحد الأجناس السامية، ولعله أكثرها محافظة على خصائص الساميين، واللغة العربية هي أحد اللغات السامية. وقد قسم المؤرخون العرب إلى:-
- عرب بائدة وعرب باقية.
أولاً: عرب بائدة:-
أي المندثرة والفانية. ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأصحاب الرس وأهل مدين.
.
.
أنبياء الله إلى العرب البائدة هم:-


* هود عليه السلام:-
أرسله الله إلى قوم عاد وهم عرب، سكنوا في منطقة الأحقاف (حضرموت) وهي أول قبيلة عبدت الأصنام بعد الطوفان، وكانوا أصحاب قوة ومال. فعمروا وشادوا وزرعوا. ثم عتوا عن أمر ربهم، فأرسل لهم هوداً وهو منهم. فكذبوه. قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 65، 66]. كثروا وانتشروا حتى إن قحطان بن عاد وذريته انتشروا في اليمن وعرفوا بـ (عاد الثانية) واستمروا في طغيإنهم وعتوهم حتى أهلكهم الله. قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 6 - 8].
.
.
* صالح عليه السلام:-
أرسله الله إلى قبيلة ثمود، الذين سكنوا في منطقة العلا (بين المدينة وتبوك)، وقد كانوا بعد هلاك عاد. وهم عرب أيضاً. وعبدوا الأصنام. أرسل الله إليهم نبيه صالحاً فدعاهم إلى التوحيد، فرفضوا، ثم طلبوا منه سخرية أن يخرج لهم ناقة من صخرة صماء، فحقق الله المعجزة، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر. فقتلوا الناقة وبعد ثلاثة أيام جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفلهم فأهلكتهم.
قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس: 11 - 15].
.
.
* شعيب عليه السلام:-
أرسله الله إلى أهل مدين (أصحاب الأيكة)، وقد سكنوا شمال غرب جزيرة العرب (تبوك وجنوب الأردن)، وكانوا فاسدين عرفوا بقطع الطريق. وإنقاص الكيل والميزان وعبدوا شجرة ضخمة وسط الأيكة، فعرفوا بأصحاب الأيكة.
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود: 84].
فاستمروا في تكذيبهم فأباد الله جماعة منهم بعذاب الصيحة، وجماعة أخرى بعذاب يوم الظُّلَّة. قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189]. وقال: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94].
من الأمم التي أهلكها الله في جزيرة العرب أهل حضورا (وسكنوا بحضرموت أو اليمامة)
وهم أصحاب الرس. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ} [ق: 12].


* ثانياً: عرب باقية:-
وهم الباقون حتى الآن، وهم بنو قحطان وبنو عدنان.
فبنو قَحطان: هم العرب العاربة (العرب الأصليين)، وموطنهم الأصلي جنوب الجزيرة ومنهم ملوك اليمن، والمناذرة والغساسنة، وملوك كنده، ومنهم الأزد (الذين تفرع منهم الأوس والخزرج).
أما بنو عدنان: فهم العرب المستعربة (الذين اكتسبوا اللسان العربي). وهم عرب الشمال، وموطنهم الأصلي مكة المكرمة، وهم ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وأهم أبناء إسماعيل عدنان، ومنه انحدرت القبائل العربية:-
ابراهيم عليه السلام ولده إسماعيل ولأسماعيل عدنان وله معد وله نزار ولنزار ربيع  و مضر فربيع له : ( عبد القيس - بكر - تغلب - حنيفة )
و مضر: (هوزان - غطفان - تميم - قريش ) وانا مضري ولا فخر 😌❤

.
.
*و فائدة قرأتها : أن العرب ليس كما هو معلوم بل كل العرب من ذرية إسماعيل عليه السلام و يوجد من قال بإسماعيلية العرب وأن قحطان وعدنان كلهم لنزار او معد أبني عدنان وحقيقة هذا مبحث لابد من تدارسه، انتهى.

التاريخ السياسي للعرب (قبل الإسلام):-
كان العرب -كما ذكرنا- بدو وحضر. والفكر السياسي عند البدو يختلف عنه عند الحضر.

* قبائل البدو:-

البدو عاشوا كقبائل صغيرة متفرقة في الصحاري، ووحدة القبيلة تربط بينها الدم والعصبية. ولم يكن سهلاً قيام ارتباط بين عدد من القبائل لتكوين ممالك، لطبيعة التمرد وعدم الخضوع عند البدو.
.
.
* مملكة كندة (480 - 529 م):-
وهي المملكة الوحيدة التي قامت في أواسط الجزيرة العربية بين الحكم القبلي. وكانت قصيرة العمر، وأول ملوكها (حجر آكل المرار) وكان تابعاً لملوك حمير في اليمن. واستطاع حفيده الحارث بن عمرو أن يمد نفوذه إلى الحيرة. ثم انهار ملكهم وعادت الحياة القبلية. وينسب امرؤ القيس (أحد شعراء المعلقات الجاهليين) إلى ملوك كنده، وقد حاول إعادة ملك آبائه ففشل.
.
.
ممالك الحضر:-
تركزت في ثلاث مناطق: "اليمن - الشمال - الحجاز"

1 - ممالك اليمن:-
- مملكة معين " مملكة قتبان: (1200 ق. م - 700 ق. م)، وهما متعاصرتان تقريباً. وهما أقدم ممالك اليمن. والمعلومات المتوفرة عنهما قليلة.

- مملكة سبأ: (955 - 115 ق. م):-
قامت سبأ على أنقاض معين وقتبان. وانضمت لها حضرموت، وكانت عاصمتها مأرب، وترجع شهرة سبأ إلى سببين هامين هما:-

أ - ملكة سبأ (بلقيس) وقصتها مع النبي سليمان (سورة النمل).

ب - سد مأرب العظيم الذي كانت نتيجته أن كثر الرخاء باليمن وعمت الخيرات. ثم ضعف هذا السد وانهار أخيراً. فكان سيل العرم. فهاجر كثير من السكان إلى الشمال، وآذن ذلك بسقوط سبأ، وقيام حمير.
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... } الآية [سبأ: 15، 16].

- مملكة حمير: (115 ق. م - 500 م):-
قامت بعد انهيار نفوذ مملكة سبأ. واتخذت ظفار عاصمة لها. وكان ملوكها يلقبون بالتبابعة. وقد خلفت سبأ وحمير آثاراً تدل على العظمة والرقي.
ضعفت هذه الدولة في أواخر عهدها، مما أدى إلى احتلال اليمن من قبل الروم ثم الفرس.
سيطرة الروم على اليمن:-

خَير (ذو نواس) ملك حمير الذي اعتنق اليهودية خير المسيحيين في نجران بين اعتناق اليهودية أو الموت، فاختاروا الموت، فحفر لهم أخدوداً وأحرقهم فيه. قال تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} [البروج: 4 - 6]. ففر بعضهم، واستنصروا بحاكم الحبشة المسيحي (النجاشي) الذي طلب مساعدة قيصر الروم (حامي المسيحية) والذي أرسل السفن والسلاح، فاستطاع النجاشي إخضاع اليمن بواسطة قائده (أرياط)، الذي سرعان ما تمرد عليه (أبرهة) أحد مساعديه، فقتله، وأصبح هو حاكم اليمن، وكان ذلك في زمن عبد المطلب بن هاشم (جد الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -) .


سيطرة الفرس على اليمن:-

ثم فر أحد أولاد ملوك حمير واسمه (سيف بن ذي يزن) إلى فارس، وطلب نجدتهم لإخراج الأحباش من بلاده، فاستجاب الفرس، فقدموا وانتصروا على الروم، ثم أمر كسرى أن يتوج سيف ملكاً على اليمن. وبعد مقتل سيف، أرسل كسرى (وهرز) ليكون حاكماً لليمن تابعاً للفرس، وبعد وهرز حكم أبناؤه وأحفاده. وعند بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - كان حاكم اليمن الفارسي (باذان) وهو من ذرية وهرز، وقد دخل باذان في الإسلام عندما دُعِيَ إليه.

* وقد ذكرت سابقاً حديث عبد المطلب مع الملك الحميري سيف ابن ذي يزن .

2 - ممالك شمال الجزيرة:-

أ - مملكة الانباط (400 ق. م - 105 م):-
هم قبائل بدوية. استقروا جنوب سوريا. وامتدت مملكتهم من غزة شمالاً حتى العقبة جنوباً، فاتخذت موقعاً هاماً في طريق التجارة بين الشمال والجنوب. وكان لها إتاوة على التجارة الصاعدة والهابطة. وعاصمة الانباط مدينة (البتراء).
بلغت غاية مجدها في القرن الأول الميلادي. حيث امتد نفوذها إلى دمشق، وامتدت جنوباً حتى مدائن صالح (ولهم آثار معمارية عظيمة هناك حتى الآن). وأشهر ملوكهم: الحارث الثالث، وعبيدة الثاني. استولى عليها الرومان سنة 105 م.

ب - مملكة تدمر:-
وهي عريقة في القدم. وقد ورد لها ذكر قبل الميلاد بأكثر من ألف عام، وبلغت ذروة مجدها في القرن الثاني والثالث الميلادي. وكان لها موقع تجاري واستراتيجي هام بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وكانت مرتبطة بالرومان. لذا خاضت حروباً مدمرة ضد الفرس، وانتصرت فيها انتصارات مؤزرة، وذلك في عهد ملكهم (أذينة) الذي بسط نفوذه على سوريا كلها، ثم تولت بعده زوجته زنوبيا (الزباء)، التي تحدت الروم. وخاضت معهم صراعات عنيفة، إلى أن هزمت، ودمرت مملكتها. وقد عبد الأنباط والتدمريون الأوثان وقوى الطبيعة.
.
.
ج - مملكة الحيرة:-
هم من عرب اليمن المهاجرين قامت مملكتهم في شمال الجزيرة (جنوب العراق) تابعة للفرس، تحميهم ويحمونها وأشهر ملوكهم: عمرو بن عدي والنذر بن ماء السماء والنعمان بن المنذر، وبعد النعمان عين كسرى أياس بن قبيصة على الحيرة. وأشرك معه رجلاً فارسياً، وفي هذا العهد قدم المسلمون وفتحوا الحيرة بقيادة خالد بن الوليد سنة 12 هـ/633 م فصالحهم أياس على الجزية، ثم دخلوا في الإسلام بعد ذلك.
.
.
د - مملكة غسان:-
هم من عرب اليمن الهاجرة بعد انهيار سد مأرب - مثل مناذرة الحيرة - وقد استقروا ببادية الشام، فأصبحوا تابعين للروم يحمونها من هجمات العرب. وكان الحكم في البداية لقبيلة (الضجاعمة) وأشهر ملوكهم: زياد بن الهيولة. ثم حكمت قبيلة بني جفنة واتخذوا دمشق عاصمة لهم، ومن أشهر ملوكهم: الحارث بن جبلة، والمنذر بن الحارث، وجبلة بن الأيهم، وهو آخر ملوك الغساسنة، وفي عهده دخل المسلمون بلاد الشام، ويقال أن جبلة أسلم ثم ارتد وهرب إلى الروم في عهد عمر بن الخطاب.
الأهمية الحضارية للمناذرة والغساسنة:-
أهم دور لعبته هاتان الملكتان هو أنهما كانتا جسراً عبرت عليه ألوان من حضارة الفرس والروم إلى الجزيرة العربية.
وأهم هذه الألوان الحضارية: الأديان وضرورب من المعارف العامة، والفنون الحربية وغيرها.
3 - الحجاز:-
الحجاز هو الموطن الأول للدعوة الإسلامية، فيه ولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونشأ، وهو منزل الوحي، ومشرق النور، ومن الحجاز انطلقت صيحة الإصلاح ودعوة الإسلام. وقد نقل الإسلام الحجاز من مكان عربي إلى مكان إسلامي عالمي.

نشأة مكة (وقصة إسماعيل عليه السلام):-
كما ذكرنا سابقاً - قدم إبراهيم بزوجه هاجر وابنه إسماعيل، وتركهما في مكة وقد كانت صحراء قاحلة وكان الله قد أمره بذلك، ودعا إبراهيم ربه أن يجعل مكة دار أمان وعمار.
تدفقت بئر زمزم. ومرت قبيلة جرهم اليمنية حول مكة، فسمحت لهم هاجر بسكناها، ونشأ إسماعيل بينهم وتعلم لغتهم العربية، ثم تزوج منهم، وكان إبراهيم يزورهم بين حين وآخر.
وفي إحدى الزيارات أمره الله بذبح إبنه إسماعيل، فاستسلما لأمر الله وعند التنفيذ فداه الله بكبش عظيم. وكان ذلك ابتلاء من الله، ثم قاما ببناء الكعبة تنفيذا لأمر الله. وبعث الله إسماعيل رسولاً لقبيلة جرهم ومن حول مكة. قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127، 128].
بعد إسماعيل تغلبت جرهم على مكة فحكمتها، ثم أفسدت فيها، ثم خضعت
مكة لخزاعة وهم من اليمن أيضاً، وكان بنو إسماعيل على الحياد. ودخلت عبادة الأصنام إلى مكة في أيام خزاعة، ادخلها زعيمهم عمرو بن لحي حيث جلبها من الشام فعبدها. ثم عبدها أهل مكة.

تكاثر بنو إسماعيل ومنهم كنانة (وقريش فرع من كنانة) فاستطاع سيدهم قصي بن كلاب (الجد الرابع للرسول - صلى الله عليه وسلم -) أن يطرد خزاعة من مكة ويتزعمها، فأصبحت سيادة مكة لقريش، وحكمها بعده ابنه عبد مناف، وتقاسم الزعامة من بعده أبناؤه هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل.
وكان عبد المطلب بن هاشم (جد الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -) هو سيد مكة يوم حاول أبرهة غزوها فرده الله. وعرف هذا العام بعام الفيل، وهو عام مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في 750 م/52 ق. هـ.

اقتصاديات العرب:-
أهم مصادر الثروة عند العرب ارتبطت بالتجارة، وقد اشتهر العرب في الجاهلية بالتجارة شهرة واسعة.
وكانت التجارة عند قريش عصب الحياة، وقد ورد في القرآن {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش: 1، 2]. وكانت رحلة الشتاء إلى اليمن. ورحلة الصيف إلى الشام.
.
.
زمن الفترة:-
نلاحظ أن الرسالة انقطعت عن الجزيرة العربية مدد طويلة (من زمن إسماعيل إلى بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وانقطعت عن العالم عموماً منذ أن رفع الله عيسى حوالي عام 610 ق. هـ/33 م.
وسميت هذه المدة زمن الفترة (فترة انقطاع الرسل).
فتخبط المجتمع أيما تخبط. وكان بأشد الحاجة إلى نبي، يعيده إلى الحق والصواب، وخاصة بعد أن حرفت الديانات السماوية، وضاعت فكانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى البشر كافة، انتهى..
.
.
المصدر :
[موجز التاريخ الإسلامي منذ آدم عليه السلام إلى عصرنا الحاضر]ـ
المؤلف: أحمد معمور العسيري

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

"الحضارات و الدول القديمة وأنبياء الله لهم"
#أصدقاء_شاهزاده
#همايون
#سلسلة_التاريخ_القديم
#من_التاريخ_القديم
#حضارات_ما_قبل_الإسلام
#الحضارات_السامية
" إتمام حضارة الشام و تاريخ مصر "

.
.

"حضارات وأنبياء بلاد الشام -الفصل الثاني-"
.
.
* الأحوال في بلاد الشام وبعض أنبياء وحضارات هذه الفترة:-
.
.
حصلت هجرات كثيرة إلى بلاد الشام من العراق أو الجزيرة، وتوزع المهاجرون في المناطق الخصبة، فقامت الدولة العمورية في المناطق الشمالية وقامت الدولة الفينيقية على سواحل البحر المتوسط، والدولة الكنعانية في فلسطين وما حولها.
ولقد أشركوا جميعاً بالله، وعبدوا الأصنام، فأرسل الله إليهم كثيراً من الرسل فلم يجدوا إلا التكذيب والتمادي في الكفر، فمنهم:-
.
.
* أيوب عليه السلام:-
أرسله الله إلى بني إسرائيل، وكان كثير المال والأهل، فسلب منه ذلك، وابتلي في جسده بأنواع البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله بهما، وتخلى عنه الجميع، إلا زوجته، وألقي في المزابل خارج البلدة (2)، واستمر ابتلاءه 18 عاماً، وكان ذلك امتحان - وابتلاء له من الله. ثم شفاه الله. قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84]. واستمر يتنقل في شمال سوريا يدعو إلى عبادة الله.
.
.
* اليسع عليه السلام:-
من أنبياء بني إسرائيل {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ} [سورة ص: 48].
.
.
* يس عليه السلام:-
بعثه الله لأهل الشام. قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [يس: 13، 14].
.
.
* إلياس عليه السلام:-
أرسله الله إلى بعض بلاد الشام (تذكر بعض المصادر أنه بعث إلى أهل بعلبك ولبنان) وكانوا يعبدون صنماً اسمه بعل فدعاهم إلى عبادة الله فكذبوه. قال تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} [الصافات: 123 - 125].
نلاحظ أن الأنبياء كثيرون لهذه الأقوام ولا نعرف إلا بعضهم المذكورين في القرآن. كما أن المؤمنين بهم كانوا قليلين جداً.
.
.
* يوشع بن نون عليه السلام:-
هو الذي قاد بني إسرائيل بعد موسى ويعتقد أنه المقصود بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} وكان هارون - عليه السلام - تُوفي وبنو إسرائيل ما زالوا في التيه والضياع الذي كتبه الله عليهم في صحراء سيناء. وتُوفي موسى - عليه السلام - أيضاً في تلك الفترة. وقد استمرت 40 عاماً (وسيأتي ذكر قصة موسى في موضوع مصر).
المهم أن من بقي منهم خرج مع يوشع، فذهبوا إلى بيت المقدس ونظم يوشع جيشاً من بني إسرائيل وقسمه إلى 12 قسم حسب الأسباط، أبناء يعقوب (إسرائيل) واستطاع أن يفتح بهم أريحا ثم بيت المقدس ثم لبث فيهم 27 سنة يحكم بكتاب الله التوراة، وبعد موته عادوا إلى ضلالهم وفسادهم.
في هذه الفترة جاءت جماعات أخرى من الجزيرة العربية واستقروا في سوريا وهم (الآراميون) وأسسوا ممالك قوية في دمشق وحماة وغيرها. وقد عبدوا الأصنام.
وأشهر أصنامهم: عشتار وأدونيس.
.
.
* حزقيل بن بوذي عليه السلام:-
تولى أمر بني إسرائيل بعد يوشع بن نون ولم يطل عهده. وتفرقت بعده بنو إسرائيل وضعف أمرهم، فكانوا يفسدون في الأرض ويقتلون أنبيائهم، فسلط الله عليهم الأعداء، وبدل الأنبياء بملوكاً جبارين طغاة، فسفكوا دمائهم ظلماً وعذبوهم وتغلب عليهم أهل غزة وعسقلان، وسلبوا منهم التابوت المقدس (الذي يحتوي على رفات يوسف عليه السلام)، ثم انقطعت النبوة في بني إسرائيل وانقسمت دولتهم واستمروا على ذلك 400 عام تقريباً، إلى أن بعث الله إليهم بعد ذلك شمويل نبياً.
.
.
* شمويل عليه السلام :-
طالبه بنو إسرائيل بالقتال وأن يعين عليهم ملكاً ليقاتلوا تحت قيادته، فاختار لهم طالوت {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة: 247].
.
.
فماطلوا في البداية لفقر طالوت. قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248]. فلما تحققت تلك المعجزة، انصاعوا وانضووا تحت قيادته.
حدث القتال بين بني إسرائيل وبين العمالقة بقيادة جالوت في مرج الصفر (جنوب دمشق) واستطاع داوود - عليه السلام - أن يقتل جالوت الجبار بواسطة حجارة ومقلاع فقط. وكان داود غلاماً حدثاً في جيش طالوت. قال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة: 250، 251].
.
.
* داوود عليه السلام:-
اشتهر داوود بين قومه، وكان طالوت قد وعد أن من يقتل جالوت يعطيه نصف ملكه، ويزوجه ابنته، لذا اضطر أن يتنازل عن الملك لداود، ويزوجه ابنته، فآتاه الله النبوة إضافة إلى الملك. فأقام شريعة الله فيهم وأنزل الله عليه كتاب الزبور. قال تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}، وأكرمه الله بمعجزات. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10]. وكان مجاهداً في سبيل الله، كثير العبادة، وكان لا يأكل إلا من عمل يده وكان عمله حداداً. وخلفه في الملك والنبوة ابنه سليمان. كانت فترة داوود وسليمان هي فترة الرخاء والاستقرار الوحيدة التي قدر للشعوب العبرانية أن تعيشها على مر الدهر كله .
.
.
* سليمان عليه السلام:-
تابع جهاد والده ووصل إلى دمشق، وأخضع اليمن وأذل حكامها من السبئيين، وتزوج ملكتهم بلقيس، وقد أبقاها على اليمن خاضعة له، وقد آمنت بالله مع أكثر قومها بعد أن كانوا يعبدون الكواكب والشمس، ومن أعماله تجديد بناء المسجد الأقصى (شيده يعقوب أو أبوه إسحاق بعد بناء الكعبة بأربعين عاما).
قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16].
ودعا سليمان لنفسه فقال: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [سورة ص: 35]، فاستجاب الله له وسخر له الريح والإنس والجن وعلمه لغة الحيوان. قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [سورة ص: 36 - 38].
استمر في ملكه 20 عاماً يقيم شريعة الله في الأرض، وبعد موته خلفه ابنه رحبعام، وضعف بنو إسرائيل من بعده وزاد فسادهم.
.
.
شعيا بن أمصيا عليه السلام:-
هو من أنبياء هذه الفترة، وقد حاول الكلدان دخول بيت المقدس بقيادة ملكهم سنحاريب. فأهلكهم الله بدعاء هذا النبي. فلم يزداد اليهود إلا شراً وفساداً فقتلوا نبيهم شعيا .
.
.
بعث الله بعده النبي أرميا بن حلقيا عليه السلام وغيره من الأنبياء فاستمر اليهود في تكذيب أنبيائهم وقتلهم.
ملاحظة: الأحداث والأسماء التي لم ترد في القرآن الكريم أو الحديث النبوي مأخوذة من الإسرائيليات المدونة في قصص الأنبياء وتفسير القرآن لابن كثير.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " ، وقال: " ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " . او كما قال عليه الصلاة والسلام.
.
.
* خراب بيت المقدس:-
سلط الله على اليهود الملك الكلداني (البابلي) بختنصر (نبوخذ نصر) فهدم بيت المقدس وقتلهم وشردهم، ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في الأرض، وسكنوا في الحجاز ومصر وغيرها بعدها قضى الفرس على الكلدانيين، واستولوا على الشام ومصر.
.
.
وصول العمران إلى أوروبا:-
تنقل الناس من الشام باتجاه الأناضول وجنوب أوروبا (المشرفة على البحر المتوسط) ثم امتدت الهجرات إلى أوروبا الشمالية، وكانت أكثر الجهات عمراناً منطقة البلقان وإيطاليا. وقد أسسوا حكومات قوية هناك. كان أبرزها حضارة الإغريق ثم الرومان.
.
.

عودة إلى بقية تاريخ بني إسرائيل:-
ضعف الكلدان بعد موت بختنصر، فعاد بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وعمروه، ولكن بقوا ضعفاء بسبب تكذيبهم وقتلهم لأنبيائهم، وانتشار المنكر بينهم، فخضعوا وذلوا للفرس ثم للإغريق ثم للرومان.
.
.
* زكريا وابنه يحيى عليهما السلام:-
وهم من أواخر أنبياء بني إسرائيل، ولم يجدوا من قومهم إلا التمادي في الطغيان والضلالة. واستمرا في الدعوة إلى الله حتى كان مقتلهما - عليهما السلام - على أيديهم. قال تعالى: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7]. وقال: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: 85].
.
.
* عيسى عليه السلام:-
وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ولد في بيت لحم بفلسطين، والدته هي مريم العذراء، التي تربت في بيت النبي زكريا (زوج خالتها)، وعرفت بالعفة والطهارة، حملت به من غير أب بإذن الله. فكانت المفاجأة مخيفة لها، فاتهمها قومها في عفتها فأشارت إليه، قال تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 27 - 31].
أقام في الناصرة في فلسطين. وأخذ يدعوا إلى عبادة الله، وآتاه الله كتاب الإنجيل، وكان يعظ كل من يلتقي به، وكان من معجزاته، شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ولازمه الحواريون في الدعوة وقد أرسل مجموعات منهم إلى باقي بلاد الشام للدعوة. تآمر بنو إسرائيل على قتله، فسلموه إلى حاكم فلسطين الروماني (بيلاطس)، فأراد القضاء عليه صلباً. ولكن الله نجاه، حيث شبه لهم بغيره. ورفعه الله إليه .
.
.
نكَّل قياصرة الروم ومعهم بنو إسرائيل بأتباع السيد المسيح، فضعف أمرهم كثيراً، وزاد الأذى في عهد نيرون الذي اتهمهم بإحراق روما حوالي عام 558 ق. م/80 م. هاجر قسم منهم إلى الحجاز وما حولها ثم أخذت النصرانية تنتشر حتى أصبحت ديانة الدولة الرومانية ...
"انتهى العهد الشامي "
.
.

حضارات وأنبياء ( #مصر ) :
.
.
بعد طوفان نوح تفرق أبناء نوح كما ذكرنا، فسام وأبناؤه توزعوا في العراق والجزيرة واليمن وغيرها، أما حام وأبناؤه فانتقلوا إلى الهند، وبعضهم إلى إفريقيا، فتفرقوا هناك، فاستقر جماعة البوشمن في جنوب غرب افريقية، وكانوا وثنيين، فسلط الله عليهم (الهتنتوت) ثم سيطر زنوج البانتو على الأوضاع، وهناك من لجأ إلى مجاهل وغابات أفريقيا، وسكن البربر في الشمال الغربي. وسكن المصريون القدماء شمالاً حول نهر النيل، وكانوا جميعهم على عبادة الأوثان.
.
.
* #الحضارة_الفرعونية :


كانت مصر من أخصب مناطق أفريقيا، لذا تكاثر سكانها، وقامت فيها دولة الفراعنة، التي أدعى حكامها الألوهية، وسخروا الشعب لبناء الأهرامات الضخمة والتماثيل، وسموها (حضارة) وليست بكذلك.
في هذه الفترة قدم إبراهيم وزوجه ساره إلى مصر، وأراد فرعون اصطفائها لنفسه، فأنقذها الله منه، فأعطاها هاجر هدية، وأمرهما بمغادرة مصر (كما ذكرنا سابقاً).

سلط الله على الفراعنة الظالمين رعاة من بلاد الشام، فقوي أمرهم واخضعوا المنطقة، وأصبحوا ملوكاً، وعرفوا باسم (الهكسوس).
.
.
* يوسف في بلاد مصر:
في هذه الفترة أقام يوسف وأهله في مصر وكان يحكمها الهكسوس، وكانوا مثل سابقيهم ظالمين ومستبدين، فرفضوا الحق فسلط الله عليهم الفراعنة، بعد أن قوي أمرهم على يد (أحمس)، فسيطروا على مصر وامتد نفوذهم إلى حدود العراق في زمن (تحتمس الثالث) و (رمسيس الثاني) اللذين حاربا الدولة الحيثية في الشام وقضوا عليها، وزادت الخيرات فزاد كفرهم وفسوقهم.
بدأ الفراعنة في هذه الفترة بقتل ذكور بني إسرائيل؛ لأن الإسرائيليين أشاعوا أنه سيأتي لهم ابن يقضي على فرعون وقومه.
قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].
.
.

* موسى بن عمران عليه السلام، وعودة بني إسرائيل إلى الشام:

أرسل الله إلى هؤلاء جميعاً موسى، وهو من بني إسرائيل، وأنجاه الله من الذبح، حيث ألقته أمه بعد ولادته في البحر داخل صندوق بأمر الله، فوصل إلى قصر فرعون، فاتخذه ولداً عندما أصرت زوجته آسيا على ذلك. وكان محروماً من الإنجاب. فتربى وشب في قصور فرعون. قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 7، 8].
.
.

كبر موسى، وكان بفطرته يميل إلى قومه، وحدث قتال بين قبطي وإسرائيلي فاستنصر الإسرائيلي بموسى الذي وكز القبطي وقتله، (وكان موسى قوي البنية)، وكادت الحادثة تتكرر، فعلم موسى أن خبره انتشر. قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20].
.
.
فهرب إلى بلاد مدين. وهناك ساعد فتاتين على سقي أغنامهما، فعرض عليه أبوهما شعيب أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يعمل عنده (8 - 10 سنوات) فتم ذلك. وقرر موسى أن يعود بأهله إلى مصر. وفي منطقة سيناء أوحى الله إليه وبعثه إلى فرعون وملئه، ودعمه بأخيه هارون، وزوده بالمعجزات.

دعا موسى فرعون فكذب وعصى وادعى أنه هو الله. وأن معجزات موسى (وهي اليد البيضاء والحية) مجرد سحر. وحدد له يوماً ليجمع له السحرة ليغلبوه.
.
.
قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى ... } الآية [النازعات: 15 - 25].

في اليوم الموعود تغلب موسى على السحرة وتبين لهم ما كانوا عليه من الباطل فآمنوا بالله. فصلبهم فرعون وقتلهم ثم اشتد أذاه وبطشه لبني إسرائيل، فعاقبه الله وقومه بالقحط وبالسنوات العجاف فلم يرتدعوا، وأنزل بهم عقوبات أخرى.
قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف: 133].

اشتد ظلم فرعون وطغيانه فأمر الله نبيه موسى أن يهاجر بقومه إلى الشام، فلحقهم فرعون وجنوده، فألجأوهم إلى البحر، فضرب موسى البحر بعصاه بإذن الله، فأصبح طريقاً سهلاً فعبر وقومه. وعندما حاول فرعون وجنده العبور عاد ماءً. فغرقوا وأهلكهم الله. وأما موسى ومن معه فقد وصلوا إلى الضفة الأخرى بأمان.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 77 - 79].
.
.
ثم طلب اليهود من موسى طعاماً فأنزل الله لهم المن والسلوى وواصل المسير بهم حتى وصلوا إلى منطقة جبل سيناء.
صعد موسى الجبل وأقام عليه 40 يوماً، حيث كلمه الله وأنزل عليه التوراة والوصايا مكتوبة في ألواح من حجر. ثم عاد إلى قومه فوجدهم يعبدون عجلاً صنعوه من حليهم الذهبية، فغضب غضباً شديداً، وتخلص منه. وأمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً عقاباً لهم، بأمر من الله. كما أخبرهم أن الله كتب عليهم التيه والضياع في صحراء سيناء 40 عاماً. وتُوفي هارون ثم موسى خلال هذه الفترة -كما ذكرنا سابقاً-.
.
.

* مصر بعد الفراعنة:
بعد هلاك فرعون ضعفت دولة الفراعنة. فاحتل الفرس مصر سنة 305 ق. م ثم أخضعها الإغريق بقيادة الإسكندر المقدوني، ثم حكمها البطالمة، وبعدهم الرومان، وانتشرت فيها النصرانية وعرف سكانها بالأقباط، واستمروا كذلك حتى جاءهم الفتح الإسلامي، وأنقذهم من الضلال....انتهى..
يتبع الجزء القادم #حضارة_الجزيرة_العربية 

الأربعاء، 12 يوليو 2017


"الحضارات و الدول القديمة وأنبياء الله لهم"
#أصدقاء_شاهزاده
#همايون
#سلسلة_التاريخ_القديم
#من_التاريخ_القديم #حضارات_ما_قبل_الإسلام
" الجزء الأول "
جدارية سومرية تظهر أحد الملوك وبحضرته إما وزيراً او مرافقاً 

جدارية سومرية توضح أحدى ملاحم السومريين

منحوته سومرية, كان عيونهم وسيعة وفيهم برائة !!


أولاً :
"ممالك وأنبياء العراق"
.
.
بعد تكاثر السكان في جزيرة العرب هاجرت مجموعات نحو الشمال الشرقي، واستقرت في العراق وعملوا بالزراعة، وكانوا يعبدون الله ثم ما لبثوا أن عبدوا الأصنام.
الإمبراطوية السومرية
.
.
* دعوة نوح عليه السلام (أول الرسل):
.
.
بعث الله إلى هذه الأقوام نوحاً، كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على دين الحق {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] ثم صاروا إلى الفساد، وكانت بداية عبادة الأصنام أنه كان من قوم نوح رجال صالحين، وبعد موتهم قال أتباعهم (بوحي من الشيطان) لو صورناهم كان أشوق لنا إلى عبادة الله، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، أخبرهم إبليس أنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، فأشهر أصنامهم (ود وسواع ويعوق ونسر). دعاهم نوح إلى عبادة الله ونبذ عبادة الأوثان، وبذل كل الأسباب لإقناعهم، فلم يجد إلا الصد والكفران، ولم يؤمن معه إلا القليل؛ بالرغم من أنه لبث فيهم 950 سنة.
قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59]. {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 5 - 7].

فلما يئس منهم دعا عليهم {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]. فلبى الله دعوته وأمره بصنع الفلك وهي السفينة العظيمة {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [المؤمنون: 23]، وحمل معه من آمن به، ومن الحيوانات من كل زوج اثنين، استمر القوم في الفساد والسخرية منه ومن سفينته. فلما انتهي حصل الطوفان العظيم وامتلأت الأرض بالمياه، تحركت السفينة شمالًا {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] فأهلك الله القوم الكافرين، ثم رست السفينة على جبل الجودي (جبل أرارات في شرق تركيا اليوم) فخرج الركاب واستقروا هناك وبدأت زيادة السكان من جديد، ثم تفرق أبناء نوح، فهاجر سام وآبناؤه باتجاه جزيرة العرب، واتجه أبناء حام جنوباً نحو العراق وما جاورها، وتحرك يافث وذريته شرقاً وجزء منهم غرباً وتفرق آخرون في اتجاهات متباينة.

الدولة السومرية (العراق):-
استقرت مجموعة في ناحية من العراق يعرف بسهل شنعار، فعظم شأنهم، وعرفوا بالسومرين عملوا بالزراعة، وبنوا السدود، أقام بجانبهم قوم عرفوا بالأكاديين وعاصمتهم (أكاد)، وانتقل بعضهم إلى المرتفعات الشرقية من هذه البقعة، وبنوا مدينة (سوزا) وهم العيلاميون، وكان السومريون أكبر قوة في المنطقة، ومن أشهر ملوكهم (سرجون)، ومن مدنهم الشهيرة (أور)، عبدوا التماثيل والكواكب وتمادوا في غيهم وضلالهم، فبعث الله إليهم نبيه إبراهيم وهو من مدينة (أور).
* إبراهيم عليه السلام:-
هو من ذرية سام بن نوح أرسله الله إلى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله فجادلهم وناقش ملكهم (النمرود) الجبار المتغطرس الذي كان يدعي الألوهية. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]. حطم إبراهيم أصنام قومه في غيابهم، وجعل الفأس في رأس كبيرهم ليبين لهم عجزها وبطلانها {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58].
تبين للقوم عجزها ومع ذلك استمرو في غيهم وضلالهم، وقرروا حرقه، قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 68، 69]. بعد كل هذا الجهد لم يؤمن به إلا زوجه سارة ولوط ابن أخيه، فهاجر بهم إلى بلاد الشام. وسنكمل الحديث عن إبراهيم في موضوع الشام.
رسم تخيلي للمكتبة البابلية

الدولة الأكادية والبابلية (في العراق) :-
أما السومريون، قوم إبراهيم فقد زاد غيهم وضلالهم فسلط الله عليهم جماعات ظالمة تغلبت عليهم {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] فسيطر الأكاديون على المنطقة. ثم أتت جماعات من الجنوب الغربي، فانتصروا عليهم، وحكموا المنطقة، وجعلوا عاصمتهم (بابل)، فعظمت دولتهم، وقد اهتموا بالزراعة والعمران، ومن أشهر ملوكهم (حمورابي) الذي وضع قوانين عرفت بـ (شريعة حمورابي) وهي أول قوانين بشرية وضعية على الأرض لغرض الهيمنة والسيطرة، وقد سقطت من بعده. استمروا في عبادة التماثيل والكواكب فسلط الله عليهم أقواماً أهلكتهم، جاءوا من الشمال، منهم الحيثيون والميتانيون ثم الآشوريون.


الدولة الآشورية (العراق):-
الإمبراطوية الآشورية
سيطر الآشوريون على تلك المناطق (شمالي العراق) وكانت عاصمتهم (نينوى) ثم امتد نفوذهم إلى كل العراق وبلاد الشام وأجزاء من مصر، وأشهر ملوكهم (سلمنصر الثالث) و (آشور بانيبال) واستمروا في عبادة الأوثان، ولم يتعظوا بما حل بسابقيهم. ولم يعملوا عقولهم، أرسل الله إليهم نبيه يونس عليه السلام.
رسم تخيلي للملك البابلي الكبير حمورابي صاحب الشريعة الشهيرة

* يونس عليه السلام:-
أرسله الله إلى أهل نينوى، فدعاهم إلى عبادة الله وتوحيده، فلم يؤمنوا فضاق بهم ذرعاً، وغضب، وسافر في سفينة في نهر دجلة، فأراد الله أن يعطيه درساً لعدم صبره اضطربت السفينة، وكادت تغرقا فقرر من من عليها أن يقترعوا على من يرمونه في البحر تخفيفاً (حسب العادة المتبعة عندهم)، فوقعت القرعة على يونس لثلاث مرات، فرموه في البحر والتقمه الحوت بأمر الله، فندم يونس على فعله وتسرعه وتاب إلى ربه فغفر له. قال تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 139 - 145].

عاد إلى قومه، فدعاهم، وكانوا قد ندموا على عنادهم، وتابوا إلى الله (1). قال تعالى: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98].

حضارة الدولة الكلدانية (البابلية الثانية):-
رسم تخيلي للملك البابلي نبوخذ نصر 
أصبح الكلدانيين حكام المنطقة، وأعظم ملوكهم كان (بختنصر) الذي استولى على بلاد الشام، ودمر القدس، واستباح اليهود وسلبهم ملكهم، فأهلكهم وشردهم وأسرهم، ومنذ ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل وتشتتوا في أنحاء الأرض، واستقر جماعات منهم في الحجاز ومصر وغيرها. واحتل بختنصر مصر، ومن أشهر أعماله بناء برج بابل المشهور، واستمرت هذه الدولة حتى قضى عليها الفرس واحتلوا المنطقة حوالي عام 1161 ق. هـ/504 ق. م.


حضارة الدولة الفارسية:-

جدارية فارسية يظهر فيها الملك الفارسي الأخميني داریوش اول (داریوش بزرگ) اي داريوش الكبير ويسميه العرب دارا
ويعود الفرس في أصلهم إلى العراق، فهاجروا شرقاً، وعمروا فارس، فلما قويوا غزوا الكلدانيين -كما ذكرنا- وسيطروا على مصر والعراق. فبقيت مصر في حكمهم إلى أن احتلها الإسكندر المقدوني (الحاكم الإغريقي). أما العراق فقد بقيت تحت سيطرة الفرس حتى الفتوحات الإسلامية....

............................................................................................


ثانياً :

"حضارات وأنبياء بلاد الشام -الفصل الأول- "

أطلال مملكة إيبلا الشهيرة أحد أهم ممالك الحضارة السامية في شام الجمال
وصل البشر إلى الشام، وتوزعوا على شكل تجمعات متفرقة، أكبرها في غوطة دمشق وغيرها، وعلى السواحل.

بقية قصة إبراهيم (في الشام):-
كان إبراهيم قد قدم من العراق إلى الشام (سكن في بلدة الخليل شرق بيت المقدس، وجاءت سنوات عجاف فارتحل مع زوجه إلى مصر، ورآها حاكم مصر فأرادها لنفسه، فطلب منها زوجها أن تقول عنه أنه أخوها (وهو فعلاً أخوها في الله) خوفاً من أن يقتله الحاكم، ففعلت، ثم إن الله حماها من هذا الملك فكان كلما أراد لمسها شلت يده، فعلم حقيقة أمرها وتركها وقدم لها أمة تدعى (هاجر) وأمرهم بالخروج من مصر.

عاد إلى الخليل بالشام واستقر هناك، وأعطته سارة جاريتها هاجر، وقالت: عسى الله أن يرزقنا منها غلاماً.
ففعل، وحملت هاجر ووضعت ولدها إسماعيل. فغارت سارة وطلبت منه أن يغيب عنها هاجر وولدها. فسار بهما بإذن الله جنوباً حتى وصل إلى موضع مكة المكرمة، فتركهما هناك، ودعا قائلاً: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].
نحت عاجي فينيقي يمثل مولد إله الشمس
هوروس داخل زهر اللوتس تحميه الآلهة (850ـ800ق.م)
والفنيقيين أمة سامية سكنت الشام و ما حولها 
عاد إبراهيم إلى الشام وفي مكة عندما نفد الماء عند هاجر أخذت تبحث عنه، فسعت بين الصفا والمروة سبعاً وهي تفتش، حتى دلت على مكان زمزم، فضربه إسماعيل بقدمه، وهو يبكي من شدة العطش فانبجس منه الماء بإذن الله، فاستقر مقامهم. وهاجرت قبيلة جرهم من اليمن ومرت بمكة فسمحت لهم هاجر أن يقيموا معهم، ونشأ إسماعيل بينهم. وسنورد قصة إسماعيل في موضوع جزيرة العرب.


* لوط عليه السلام وأهل سدوم:-

هو ابن أخ إبراهيم وقد آمن به وهاجر معه إلى الشام، وأقام ببلدة سدوم جنوب البحر الميت (1)، فبعثه الله إليهم وكانوا يعدون من أفجر الناس وأكفرهم، وابتدعوا فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين وهي إتيان المذكور
(فعل اللواط).
رسم تخيلي للخسف بقوم لوط
قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81} [الأعراف: 80، 81]. أرسل الله إلى لوط ملائكة في هيئة بشر، فهرع الكفار إليهم يريدون الفاحشة لهم، فصدهم لوط {قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78].
طمأنته الملائكة وأمرته بمغادرة البلدة مع أهله ليلاً لينزل الله بهم العذاب صبحاً. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 82، 83].

* عودة إلى بقية قصة إبراهيم:-
بشر الله إبراهيم بولد من سارة (بعد إسماعيل بـ 13 سنة) وكان إبراهيم قد بلغ من العمر عتياً (عاش إبراهيم 175 عاماً) وزوجه عجوز عقيم، وكانت البشرى عن طريق الملائكة، وهم في طريقهم إلى قوم لوط ليهلكوهم {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71].

* إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام:-
هو ولد إبراهيم، وقد نشأ في منطقة الخليل. ورزق بيعقوب. (وهو إسرائيل) عاش 180 عاماً وتابع دعوة أبيه إبراهيم بعد موته .

* يعقوب بن إسحاق عليهما السلام:-
هو ولد إسحاق، وقد هاجر إلى حران (شمال بلاد الشام) وتزوج هناك، ورزقه الله باثني عشر ولداً منهم يوسف - عليه السلام - وبنيامين (شقيقان). تابع دعوة أبيه إسحاق وجده إبراهيم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، عاش 147 عاماً.

* يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وانتقال بني إسرائيل إلى مصر:-
هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، كان يعقوب يحب أبناءه الصغار بنيامين ويوسف أكثر من غيرهما عطفاً عليهما، لوفاة أمهما (راحيل).

وحدثت ليوسف القصة المشهورة، وملخصها:-

أن إخوته حسدوه، لحب أبيه له، فقرروا التخلص منه، أرسله أبوه معهم بعد إلحاح شديد، فخرجوا به وألقوه في الجب (البئر)، وعادوا إلى أبيهم يبكون، وادعوا أن الذئب أكله، مرت قافلة متجهة من الشام إلى مصر، فاستخرجوه وأخذوه إلى مصر وباعوه هناك. واشتراه (عزيز مصر) وربَّاه، وشب يوسف وكان في غاية الجمال والبهاء، فراودته امرأة العزيز عن نفسه، فامتنع، ثم ادعت أنه راودها عن نفسها، وقد اقتنعوا جميعاً بصدقه وكذبها، ومع ذلك أدخلوه السجن وبقي فيه بضع سنين.
وأخرجه الحاكم بعد ما فسر له الرؤيا التي رآها وبعد أن اعترفت امرأة العزيز بذنبها، ورأى الحاكم فيه القدرة على إدارة الأعمال فولاه الخزانة والتصدير، فكان يبيع القمح للبلاد المجاورة التي كانت تعاني من القحط والجدب. وهذا يدل على مدى الرخاء والخصب في أرض مصر في تلك الفترة.

رسم تخيلي او أعتقد جدارية فرعوينة تصور معركة الملك الفرعوني أحمس الأول وهو يطرد الهكسوس وقِل أن النبي الكريم يوسف -عليه السلام- كان معاصر لهذا العهد 

وجاءت قوافل الشام تشتري الحبوب ومعهم إخوة يوسف فعرفهم ولم يعرفوه، فباعهم وطلب منهم إحضار أخيهم المرة القادمة. ثم عادوا وأخبروا أباهم فرفض، ولم يوافق إلا بعد إلحاح شديد، فذهبوا إلى مصر واشتروا، وأثناء عودتهم قبض عليهم واتهموا بسرقة صواع الملك. وفتشوا فوجد في رحل بنيامين فأخذه يوسف وكان كل ذلك بتدبير منه. وعادوا فأخبروا أباهم فحزن حزناً أفقده بصره، وأمرهم بالبحث عن يوسف وأخيه. ذهبوا إلى مصر، فعرفوا يوسف، وعفا عنهم، وطلب منهم أن يعودوا ويأتوا بأهلهم جميعاً ففعلوا، وهكذا انتقل بنو إسرائيل إلى مصر، وكان عددهم لا يزيد على المائة وبقوا فيها 500 عام، ثم غادروها مع موسى وهم أكثر من 1600 رجل عدا الذراري. وقصة يوسف بتمامها مذكورة في القرآن في سورة يوسف....
.
.
يتبع... قريباً فيه تتمة...
العهد الشامي ثم الحضارة المصرية ..

...................
#سلسلة_التاريخ_القديم
#من_التاريخ_القديم #حضارات_ما_قبل_الإسلام
#الحضارات_السامية
"الهلال الخصيب و شبه الجزيرة العربية"

"الجزء الأول - العراق و الشام *الفصل الأول - "

https://goo.gl/6vskNL


"الْمَسْعُودُ|هُمَٰيُونْ"
https://t.me/shah_zadah

"وحيٌ منْ التَاريخ"
للنشر وشكراً ..

الخميس، 29 يونيو 2017

"الصوت الحَسن،  رديفٌ للمُحيا الحَسن"
"مما يُروى في الصوت الحسن و أثره على النفس "
.
.
قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: "يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ"
.
.
هو الصوت الحسن !
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
أتدرون متى كان الحداء؟
قالوا: لا بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله.
قال: إن أباكم مضر خرج في طلب مال له، فوجد غلاما قد تفرقت إبله، فضربه على يده بالعصا، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، فسمعت الإبل صوته، فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلاما تجتمع عليه الإبل، فاشتق الحداء.
.
.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وقيل: إن داود عليه الصلاة والسلام كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع، وتجتمع عليه الخلق، فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة، وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطا شديدا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب، وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته.
.
.
قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: بلغنا أن الله تعالى يقيم داود عليه الصلاة والسلام يوم القيامة عند ساق العرش، فيقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.
.
.
وقال سلام الحادي للمنصور، وكان يضرب المثل بحدائه: مر يا أمير المؤمنين بأن يظمأوا إبلا ثم يورودها الماء فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها، وتترك الشرب.
.
.
وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق، فيصفو له الدم، وتنمو له النفس ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف له الحركات، ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء، حتى يرقص ويطرب.
.
.
اما الأخيرة انا مجرب اذا سمعت صوتاً رخيماً قراره وقار والله يسري في جسمي سريان الماء في جدوله 😴❤
.
.
وزعمت الفلاسفة: أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح. ألا ترى إلى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان، واستراحت إليها أنفسهم، وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه، ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن، وتعب على الجوارح ما خلا السماع، فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح، وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف، وصلة الأرحام، والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب، وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويتذكر نعيم الملكوت، ويمثله في ضميره، ولأهل الرهبانية نغمات، وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها، ويبكون على خطاياهم، ويتذكرون نعيم الآخرة.
.
.
وكان أبو يوسف القاضي يحضر مجلس الرشيد، وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر نعيم الآخرة، وقد تحن القلوب إلى حسن الصوت حتى الطير والبهائم، وكان صاحب الفلاحات يقول: "إن النحل أطرب الحيوان كله على الغناء"
.
.
قال الشاعر:
والطير قد يسوقه للموت
إصغاؤه إلى حنين الصوت
.
.
وزعموا أن في البحر دواب ربما زمرت أصواتا مطربة، ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها، فاعتنى بها وضعة الألحان بأن شبهوا بها أغانيهم، فلم يبلغوا، وربما يغشى على سامع الصوت الحسن للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته القلب. ألا ترى إلى الأم كيف تناغي ولدها، فيقبل بسمعه على مناغاتها، ويتلهى عن البكاء، والإبل يزداد نشاطها وقوتها بالحداء، فترفع آذانها وتلتفت يمنة ويسرة، وتتبختر في مشيتها.
.
.
وزعموا أن السماكين بنواحي العراق "دار السلام" يبنون في جوف الماء حفائر ثم يضربون عندها بأصوات شجية فتجتمع السمك في الحفائر، فيصيدونه وقد نبهت على ذلك في باب ذكر البحار، وما فيها من العجائب.
.
.
والراعي إذا رفع صوته، ونفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها، وجدّت في رعيها، والدابة تعاف الماء، فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب وليس شيء مما يستلذ به أخف مؤنة من السماع.
كان عندنا راعي معاه ناي الله المستعان اذا سردة نوتته سبحان الوهاب فقده الله يعافيه إن كان حي ويرحمه إن مات اسمه حسن 😔💔
.
.
و قال أفلاطون : من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمدت نارها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت.
.
.
وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض، وتشغله عن التفكير، ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن غيلة الشيباني:
وسماع مسمعة يعللنا
حتى ننام تناوم العجم
.
.
وحكي أن البعلبكي مؤذن المنصور رجع في أذانه ليلة وجارية تصب الماء على يد المنصور، فارتعدت حتى وقع الأبريق من يدها، فقال له المنصور: خذ هذه الجارية، فهي لك ولا تعد ترجع هذا الترجيع.
.
.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة في قينة:
ألم ترها لا أبعد الله دارها
إذا رجّعت في صوتها كيف تصنع
تدير نظام القول ثم تردّه
إلى صلصل من صوتها يترجّع
.
.
وبعد، فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب، وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن لا سيما إذا كان من وجه حسن كما قال الشاعر:
ربّ سماع حسن
سمعته من حسن
مقرّب من فرح
مبعّد من حزن
لا فارقاني أبدا
في صحة من بدن
.
.
وهل على الأرض من جبان مستطار الفؤاد يغني بقول جرير:
قل للجبان إذا تأخرّ سرجه
هل أنت من شرك المنية ناجي
إلا وقد شجعت نفسه، وقوي قلبه.
أم هل على الأرض من بخيل قد انقبضت أطرافه يوما يغني بقول حاتم الطائي:
يرى البخيل سبيل المال واحدة
إنّ الجواد يرى في ماله سبلا
إلا انبسطت أنامله، ورشحت أطرافه.
.
.
واختلف الناس في الغناء، فأجازه عامة أهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق، فمن حجة من أجازه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان: «شن الغطاريف على بني عبد مناف، فو الله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام» .
.
.
واحتجوا في أباحة الغناء، واستحسانه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها: «أهديتم الفتاة إلى بعلها؟
قالت: نعم. قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لم نفعل. قال: أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم القول، ألا بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحييكم
ولولا الحبّة السمراء ... لم نحلل بواديكم
.
.
ولا بأس بالغناء إذا لم يكن فيه أمر محرم، ولا يكره السماع عند العرس والوليمة والعقيقة وغيرها، فإن فيه تحريكا لزيادة سرور مباح أو مندوب، ويدل عليه ما روي من إنشاء النساء بالدف والألحان عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قلن:
.
.
طلع البدر علينا
من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيّها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع
.
.
ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحرام حتى أكون أنا التي أسأمه.
ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين من حديث عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرها أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه، وقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد.

.
.
وعن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للنابغة الجعدي:
أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك، فأسمعه كلمة، فقال له، وإنك لقائلها ؟!
قال: نعم.
قال: طالما غنيت بها خلف جمال الخطاب .
.
.
وعن عبد الله بن عوف قال: أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فسمعته يغني بالركابية يقول:
فكيف ثوائي بالمدينة بعدما
قضى وطرا منها جميل بن معمر
وكان جميل بن معمر من أخصّاء عمر قال، فلما استأذنت عليه قال لي : أسمعت ما قلت؟
قلت: نعم .
قال: إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم .
.
.
وقد أجازوا تحسين الصوت في القراءة والأذان، فإن كانت الألحان مكروهة، فالقراءة والأذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة، فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن، وما جعلت العرب الشعر موزونا إلا لمد الصوت والدندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنشور.
.
.
ومن حجة من كره الغناء أنه قال: أنه ينفر القلوب، ويستفز العقول، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً"

.
.
وأخطأ من أوّل هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير، والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون: إنها أفضل منه، وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا.
.
.
وقال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟
فقال: نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه.
قال: ليس عن هذا أسألك.
قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل.
قال: وكيف يغني؟
فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه، فقال الحسن: والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا، فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه.
.
.
وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت:
أذلّني الهوى فأنا الذليل
وليس إلى الذي أهوى سبيل
قال: فأخرج دواة وقرطاسا، وكتب البيت، فقيل له:أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران؟!
فقال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة.
.
.
وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان يغني على شرابه بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فأخذه العسس ليلة وحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته، واستوحش له، فقال لأهله: ما فعل جارنا الكيال؟!
قالوا: أخذه العسس، وهو في الحبس، فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع إذنه، وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك، فأقبل عليه عيسى بن موسى، وسأله عما جاء بسببه، فقال:
أصلح الله الأمير: إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا، فوقع في حبسه، فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة، فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له، فلما رآه أبو حنيفة قال له: هل أضعناك يا فتى؟
يعرض له بشعره الذي ينشده، قال: لا والله ولكنك بررت وحفظت.
.
.
وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روى عنه مالك بن أنس، وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا، وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين. قيل: إنه وقفت عليه إمرأة يوما وحوله التلاميذ، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي
عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبي بردت ببرد الماء ظاهره
فمن لنار على الأحشاء تتّقد
.
.
وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة.
قيل: إنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فأقام يسمع غناءها فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تدخل، وتسمع، فأبى، فلم يزل به حتى دخل فغنته، فأعجبته، ولم يزل يسمعها، ويلاحظ النظر حتى شغف بها، فلما شعرت بلحظه إياها غنته:
رب رسولين لنا بلغّا
رسالة من قبل أن نبرحا
الطرف للطرف بعثناهما
فقضيّا حاجة وما صرّحا
قال: فأغمي عليه "تخرفن 😂😂😂😂💔"، وكاد يهلك، فقالت له: إنّي والله أحبك !
قال: وأنا والله أحبك
قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك !!
قال: وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة.
أما سمعت قوله تعالى: "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ"
ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها، وأنشأ يقول:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلها
فاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم إنّما
سبل الضلالة والهدى أقسام
"قد اصاب يرحمه الله إن الصبابة داء😩💔"
.
.
وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية - رضي الله عنه - بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه ما يستحقه، فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية - رضي الله عنه - فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية ، فقالت: هلم، فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك، وأنزلته بين حرمك، فجاء معاوية، فسمع شيئا حرّكه وأطربه، فقال: والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له، ثم انصرف، فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر، وهو قائم يصلي، فنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل. "الله اكبر"
ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه: اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر، وأخبره إني قادم عليه، فذهب وأخبره، فأقام عبد الله كل من كان عنده، فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله .
فقال: مجلس من هذا؟
قال عبد الله: هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين .
فقال معاوية: مره، فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد.
قال: مجلس من هذا؟
قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين.
قال: إن أذني عليلة، فمره أن يرجع إلى مجلسه، وكان مجلس بديح المغنّي، فأمره عبد الله بن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية:
داو أذني من علتها، فتناول العود وغنى وقال:
ودّع سعاد فإنّ الرّكب مرتحل
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
قال: فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال له معاوية:
لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت لأبليت، ولو سئلت لأعطيت، وكان معاوية قد خضب.
قال، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه، وكانت تتولى خضابه، فغنى بديح وقال:
أليس عندك شكر للتي جعلت
ما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم
وجددّت منك ما قد كان أخلقه
صرف الزمان وطول الدهر والقدم
فطرب معاوية - رضي الله عنه - طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي، فأجبتك وأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال: كل كريم طروب، ثم قام، وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني، ثم ذهب، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته، وإلى كل رجل منهم بألف دينار، وعشرة أثواب.
.
.
وحدّث ابن الكلبي، والهيثم بن عدي قالا: بينما عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة إذا سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا صوت رقيق لقينة تغني وتقول:
قل لكرام ببابنا يلجوا ...ما في التّصابي على الفتى حرج «٤»
فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن، فلما رأوه قاموا إجلالا له، ورفعوا مجلسه، فأقبل عليه صاحب المجلس، وقال يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدخل مجلسنا بلا إذن، وليس هذا من شأنك؟ فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن. قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه سمعتها تقول: قل للكرام ببابنا يلجوا. فولجنا، فإن كنا كراما، فقد أذن لنا، وإن كنّا لئاما خرجنا مذمومين، فقبل صاحب المنزل يده، وقال: جعلت فداك، والله ما أنت إلا من أكرمالناس، فبعث عبد الله إلى جارية من جواريه، فحضرت ودعا بثياب وطيب، فكسا القوم، وطيبهم، ووهب الجارية لصاحب المنزل، وقال: هذه أحذق بالغناء من جاريتك.
.
.
وسمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فقال:
اطلبوه، فجاءوا به، فقال: أعد عليّ ما غنيت به، فغنى وأحفل . وكان سليمان أغير الناس، فقال لأصحابه:
كأنها والله جرجرة الفحل في الشوك، وما أظن أنثى تسمع هذا إلّا صبت إليه، ثم أمر به فخصي... انتهى...
.
.
المصدر :
المستطرف في كل فن مستطرف
المؤلف: شهاب الدين محمد بن أحمد بن منصور الأبشيهي أبو الفتح (المتوفى: 852هـ)
.
.
"المَسّعُودْ|هُمَٰيُونْ"
"وحيٌ منْ التَاريخ"

الثلاثاء، 13 يونيو 2017


"السُّلْطَانُ المُبجّل بَرَكَةُ خان بن تولى بن چنكيز خان التتاري المغولي رحمه الله"
من هو؟!
اولاً سرد مُختصر لتاريخ المغول و من اسلم منهم و من بقي،  بسم الله :

.
.
و مسألة تأثر التتار واعتناق بعضهم الإسلام تحتاج إلى تفصيل، لأن بعض التتار- من أبناء عم هولاكو- دخلوا في الإسلام قبل معركة عين جالوت ولذلك يمكن توضيح هذا الأمر كما يلي:
أ- قسم جنكزخان مملكته بين أولاده، فكان من نصيب أحدهم وهو جوشى أكبر أبنائه؛ البلاد الواقعة بين نهر أرتش والسواحل الجنوبية لبحر قزوين، وكانت تلك البلاد تسمى القبشان، ويطلق عليها اسم القبيلة الذهبية- نسبة إلى خيام معسكراتها ذات اللون الذهبي- فلما مات جوشى خلفه أحد أولاده الذي تلقب بخان القبائل الذهبية ثم تولى بعده ولده، ثم تولى بعده بركة خان سنة 654 هـ ، وكان بركة هذا مسلما لذلك عمل على نشر الاسلام بين قبيلته وأتباعه، وأظهر شعائر الإسلام واتخذ المدارس وأكرم الفقهاء وكان يميل إلى المسلمين ميلا شديدا. وقد بدا هذا في ظاهرتين:
أولاهما: محاربته لابن عمه هولاكو، خاصة بعد استيلائه على بغداد وقتله للخليفة، وقد ظهرت بينهما خصومات ومعارك. وقد أقلق موقفه وإسلامه الطاغية هولاكو الذي اتجه إلى محالفة المسيحين ضد بركة وحلفائه.
ثانيهما: دخوله ومن جاء بعده في حلف سلاطين المماليك، الظاهر بيبرس، والناصر قلاوون وغيرهما، وقد توطدت العلاقة بين هاتين الدولتين، خاصة بعد المصاهرة التي تمت بينهم، وتبادل الرسل والهدايا، ومواجهتهم لعدو مشترك هم التتار الكفار .
.
.
2- أما دولة المغول الكبرى في إيران وما جاورها والتي منها انطلقت جحافلهم لغزو العراق والشام فقد حدث في عام 680 هـ أن أسلم أحد أولاد هولاكو وهو السلطان تكودار بن هولاكو الذي تسمى بعد إسلامه باسم أحمد، فصار اسمه: أحمد بن هولاكو، وقد أعلن إسلامه في منشور أصدره لما جلس على العرش ووجهه إلى أهل بغداد، كما أرسل رسالة إلى السلطان المنصور قلاوون يعلن اهتداءه إلى الإسلام، ويدعو إلى المصالحة ونبذ الحرب، ولم يتخل- كما هو واضح من رسالته هذهـ عن افتخاره واستعلائه على سلطان المماليك، وقد رد عليه السلطان قلاوون، ثم تبودلت الرسائل بينهم، ولكن لم تكن العلاقات بينهم جيدة كما يظهر من صيغة الرسائل المتبادلة. ومما يجدر ذكره أن السلطان أحمد دخل لوحده في الإسلام، ولم يستطع أن يفرضه على أتباعه ولا على أمراء المغول من حوله، فصار دخوله في الإسلام فرديا، وهذا ما يفسر سرعة القضاء عليه وقتله من جانب منافسيه من أمراء المغول الذين تآمروا عليه فقتلوه سنة 683 هـ .
.
.
في سنة 693 هـ تولى محمود قازان عرش المغول، ثم في سنة 694هـ دخل في الإسلام، يقول الذهبي عن هذه السنة: " وفيها دخل ملك التتار غازان ابن أرغون في الإسلام وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه نوروز، ونشر الذهب واللؤلؤ على رأسه، وكان يوما مشهودا، ثم لقنه نوروز شيئا من القرآن، ودخل رمضان فصامه، وفشا الإسلام في التتار " ، وقد أعلن غازان الإسلام دينا رسميا للدولة المغولية في إيران، كما غير المغول زيهم فلبسوا العمامة، كما أمر بتدمير الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، والأصنام البوذية، كما أمر أهل الذمة بأن يتميزوا بلباس خاص بهم. وهكذا اختلف إسلام قازان عن إسلام السلطان أحمد بأن إسلامه لم يكن فرديا وإنما حوله إلى دين رسمي للدولة.
لكن هذه الصورة التي قد تبدو جميلة سرعان ما تتغير حين يتابع المرء الأحداث التي تمت في عهد هذا السلطان، فقد هاجم وجيشه الشام مرات ودارت بينهم وبين أله الشام - ومعه سلاطين مصر- معارك كبيرة، وانتصر المغول في أولاها وهزموا فيما تلاها، وقد عاث الجيش التتري فسادا في الأرض وفعلوا - كما قال ابن تيمية لقازان نفسه لما التقى بهـ ما لم يفعله أسلافه من حكام التتار الوثنيين. وقد بقيت الأمور على هذه الحال إلى ما بعد وفاة غازان سنة703هـ .
وقد كان التتار يقدسون دستورهم الذي وضعه لهم جنكيز خان، وكان يسمى إلياسا أو اليساق وكانوا يتحاكمون إليه - وسيأتي عرض هذا الموضوع إن شاء الله - وبعد إسلامهم لم يتركوا التحاكم إلى هذا الدستور، فأوقع إسلامهم ونطقهم بالشهادتين شبهة لدى كثير من الناس - وفيهم بعض العلماء - حول جواز قتالهم وهم على هذه الحال. وقد حسم ذلك ابن تيمية - كما سيأتي.
.
.
بعد وفاة قازان تولى من بعده أخوه أولجاتيو، خدابنده، وصار اسمه محمد بن أرغون، وقد تولى عرش المغول سنة 703 هـ إلى سنة 716 هـ، وقد بدأ عهده بتحسين العلاقة مع سلطان المماليك، فأرسل إليه هدية وكتابا خاطب فيه السلطان بالأخوة " وسأله إخماد الفتن، وطلب الصلح، وقال في آخر كلامه: عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه، فأجيب، وجهزت له الهدية، وأكرم رسوله " .
ولكن لم يكد يمضي سنة من توليه سلطة المغول حتى حدث تحول خطير عند محمد بن أرغون هذا، فقد اعتنق مذهب الشيعة، وعمل على نشره في الجهات الغربية من دولته حتى إنه غير الخطة وأسقط اسم الخلفاء سوى علي - رضي الله عنهـ، وأظهر عداءه للمماليك السنيين، وطلب من النصارى أن يساعدوه ضدهم، ثم هاجم الشام سنة 712 هـ .
ومما ينبغي ملاحظته أن تشيع هذا السلطان كان بتأثير من أحد كبار الرافضة وهو ابن المطهر الحلي الذي صارت له منزلة كبيرة في عهده، وقد أقطعه عدة بلاد ، ولعل نفوذ وشهرة هذا الرافضي- وهو صاحب كتاب منهاج الكرامة- دعا ابن تيمية-رحمه الله- إلى إفراد الرد على كتابه هذا بكتابه العظيم: " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ".
وقد استمر سلطان المغول على تشيعه حتى مات، ثم تولى ابنه أبو سعيد- وهو صغير- الذي لعب كثير ممن حوله به، ثم لما كبر مال إلى العدل وإقامة السنة وإعادة الخطبة بالترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي- وفرح الناس بذلك .
هذه خلاصة تاريخ المغول، وما يتعلق منه بأحوال العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد كانت له جهود عظيمة في صد هذا الخطر الزاحف، كما كانت له مواقف عظيمة منهم. [ 1 ]
.
.
"الصراع بين هولاكوا و بركة خان"
.
.
وصلت الأخبار إلى هولاكو بوفاة أخيه الأكبر منكو خان وتنازع أخوية الآخرين "قوبيلاي" "واريق بوقا" على ولاية عرش المغول فوجد نفسه مضطراً إلى العودة إلى مقره الرئيسي مدينة مراغة ليكون قريباً من مجرى الحوادث في منغوليا، ليسهل عليه التحرك إلى منغوليا إذا دعته الحاجة إلى ذلك، وبالرغم من أن هولاكو هو الابن الرابع لتولوي خان من حقه أن ينافس أخويه في تولي ذلك المنصب، غير أنه لم يولي ذلك المنصب اهتماماً، ولعل ذلك راجع إلى ما تهيأ له من النجاح والظفر في ايران والعراق والشام ، فضلاً عن خوفه من ازدياد هوة الخلاف وتعقيد الأمور ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن أخاه قوبيلاي أجدر بتولي العرش من أخيه الآخر ارقيق بوقا وحرص على أن يحضر الانتخابات ليزكي ترشيح أخاه قوبيلاي خاناً أعظم للمغول ومن ناحية أخرى لاننسى ما كان من ازدياد العلاقات سوءا بين هولاكو وابناء عمومته خانات القبيلة الذهبية "القبجاق"،
الذين باتوا يهددون ممتلكاته ـ وهذا صرفه عن مدّ الامدادات اللازمة للمغول في بلاد الشام، وكذلك لم يستطع قيادة جيش كبير للانتقام من هزيمة معركة عن جالوت ورد الاعتبار والهيبة للمغول ـ إذ أن بركة خان زعيم القبيلة الذهبية كان يميل إلى المسلمين في الوقت الذي كان هولاكو وحاشيته يعملون جاهدين على ارضاء المسيحيين واستمالتهم إليهم وتطور الأمر ببركة إلى أن اعتنق الدين الإسلامي، وتعرض هولاكو للتقريع والتأنيب من قبله وصار بركة يتهدده بالانتقام منه بسبب ما اقترفه من مذابح راح ضحيتها ألوف من المسلمين، وما أنزل بهم من دمار وخراب، فضلاً عما تعرض له الخليفة العباسي من الهوان وتجرئه على قتله، لذلك كثيراً ما وقع الاحتكاك بينهما عند جبال القوقاز التي تفصل بين نفوذهما، بل ذهب بركة خان إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث قام باضهاد القبائل المسيحية التي كانت تسكن تلك المناطق وذلك رداً على ما سلكه هولاكو من سياسية تعسفية تجاه المسلمين بقصد اذلالهم، ويبدو أن هولاكو أراد أيضاً حداً لتصرفات التهكم والانتقام التي مارسها بركة ضده، فحاول أن يفرض سلطانه على الجانب الشمالي لجبال القوقاز، ولكن بركة أعد لذلك الأمر عدته، واستطاعت جيوشه أن تنزل بجيوش هولاكو هزيمة ساحقة وهناك أسباب أخرى ذكرت في دفع هولاكو للعودة إلى عاصمته بالمشرق فإن الذي يهمنا قوله هو أن ذلك الحدث المفاجيء كان تحولاً خطيراً، غير مجرى سياسة المغول التوسعية التي جعلت هولاكو لم يعد إلى فارس بمفرده، بل عاد ومعه جموع من عساكره، وهذا مما ساهم في تحقيق النصر في معركة عين جالوت. [ 2 ]
.
.
"بعض اخبار بركة خان"

ذُكر في احداث سنة (سُنَّةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ) :

وَفِيهَا قَدِمَتْ رُسُلُ بَرَكَةَ خَانَ إِلَى الظَّاهِرِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَحَبَّتِي لِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَعَلِمْتَ مَا فَعَلَ هُولَاكُو بِالْمُسْلِمِينَ، فَارْكَبْ أَنْتَ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَآتِيهِ أَنَا مِنْ نَاحِيَةٍ حَتَّى نَصْطَلِمَهُ أَوْ نُخْرِجَهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَأَيًّا مَا كَانَ أَعْطَيْتُكَ جَمِيعَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ. فَاسْتَصْوَبَ الظَّاهِرُ هَذَا الرَّأْيَ، وَشَكَرَهُ وَخَلَعَ عَلَى رُسُلِهِ وَأَكْرَمَهُمْ.
وَفِيهَا الْتَقَى بَرَكَةُ قَانَ وَهُولَاوُو وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ جُيُوشٌ كَثِيرَةٌ، فَاقْتَتَلُوا فَهُزِمَ هُولَاكُو هَزِيمَةً فَظِيعَةً، وَقُتِلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَغَرِقَ أَكْثَرُ مَنْ بَقِيَ، وَهَرَبَ هُوَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَلَمَّا نَظَرَ بَرَكَةُ خَانَ إِلَى كَثْرَةِ الْقَتْلَى قَالَ: يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ يَقْتُلَ الْمَغُولُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَكِنْ كَيْفَ الْحِيلَةُ فِيمَنْ غَيَّرَ سُنَّةَ جِنْكِزْخَانَ؟ ! ثُمَّ أَغَارَ بَرَكَةُ خَانَ عَلَى بِلَادِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَصَانَعَهُ صَاحِبُهَا، وَأَرْسَلَ الظَّاهِرُ هَدَايَا عَظِيمَةً إِلَى بَرَكَةَ وَتُحَفًا كَثِيرَةً هَائِلَةً. [ 3 ]

,
,
ونتم اخباره في احداث سنة (ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ) :

وَفِيهَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ سُلْطَانَ التَّتَارِ هُولَاكُو هَلَكَ إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ فِي سَابِعِ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِمَرَضِ الصَّرَعِ بِمَدِينَةِ مَرَاغَةَ، وَدُفِنَ بِقَلْعَةِ تَلَا، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ وَاجْتَمَعْتِ التَّتَارُ عَلَى وَلَدِهِ أَبْغَا، فَقَصَدَهُ الْمَلِكُ بَرَكَةُ خَانَ، فَكَسَرَهُ وَفَرَّقَ جُمُوعَهُ، فَفَرِحَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَعَزَمَ عَلَى جَمْعِ الْعَسَاكِرِ لِيَأْخُذَ بِلَادَ الْعِرَاقِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ لِتَفَرُّقِ الْعَسَاكِرِ فِي الْإِقْطَاعَاتِ.
وَفِيهَا فِي ثَانِي عَشَرَ شَوَّالٍ سَلْطَنَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ وَلَدَهُ الْمَلِكَ السَّعِيدَ مُحَمَّدَ بَرَكَةَ قَانَ، وَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَرْكَبَهُ وَمَشَى الْأُمَرَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَحَمَلَ وَالِدُهُ الْغَاشِيَةَ بِنَفْسِهِ، وَالْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بِيَسْرِي الشَّمْسِيُّ حَامِلٌ الْجِتَرَ، وَالْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ ابْنُ بِنْتِ الْأَعَزِّ وَالْوَزِيرُ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ حِنَّا رَاكِبَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَعْيَانُ الْأُمَرَاءِ رُكْبَانٌ وَبَقِيَّتُهُمْ مُشَاةٌ حَتَّى شَقُّوا الْقَاهِرَةَ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ خَتَنَ السُّلْطَانُ وَلَدَهُ الْمَلِكَ السَّعِيدَ الْمَذْكُورَ، وَخَتَنَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَوْلَادِ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. [ 4 ]
.
.
ولما تشرف بركة خان بخلعة الإسلام، ورفع في أطراف الدشت للدين الحنيفي الأعلام، استدعى العلماء من الأطراف، والمشايخ من الآفاق والأكناف، ليوقفوا الناس على معالم دينهم، ويبصروهم طرائق توحيدهم ويقينهم، وبذل في ذلك الرغبات، وأفاض على الوافدين منهم بحار الهبات، وأقام حرمة العلم والعلماء وعظم شعائر الله تعالى وشرائع الأنبياء، فكان عنده في ذلك الزمان وعند أوزبك بعده وجاني بك خان مولانا قطب الدين العلامة الرازي، والشيخ سعد الدين التفتازاني، والسيد جلال الدين شارح الحاجبية، وغيرهم من فضلاء الحنفية والشافعية، ثم من بعدهم مولانا حافظ الدين البزازي، ومولانا أحمد الجندي، رحمهم الله تعالى فصارت سراي بواسطة هؤلاء السادات مجمع العلم ومعدن السعادات واجتمع فيها من العلماء والفضلاء، والأدباء والظرفاء والنبلاء، ومن كل صاحب فضيلة، وخصلة نبيلة جميلة، في مدة قليلة، ما لم يجتمع في سواها، ولا في جامع مصر ولا في قراها وبين بنيان سراي وخراب ما بها من الأمكنة، ثلاث وستون سنة، وكانت من أعظم المدن وضعاً، وأكثرها للخلق جمعا حكى أن رجلاً من أعيانها هرب له رقيق، وسكن في مكان منحى عن الطريق، وفتح له حانوتاً، يتسبب فيه ويحصل له قوتاً، واستمر ذلك المهين، نحواً من عشر سنين، لم يصادفه فيها مولاه، ولا اجتمع به ولا رآه، وذلك لعظمها وكثرة أممها، وهي على شط نهر متشعب من نهر آثل، الذي أجمع السواحون والمؤرخون وقطاع المناهل، أنه لم يكن في الأنهر الجارية، والمياه العذبة النامية، أكبر منه، وهو يأتي من بلاد الروس، وليس له فائدة سوى اغتيال النفوس، ويصب في بحر القلزم، وكذلك جيحون وسائر أنهار العجم ونهر سيحون، مع أن بحر القلزم محصور، وعليه بعض ممالك العجم تدور، مثل كيلان ومازندران، وأستراباذ وشروان، واسم نهر سراي سنكلا، ولا يقطع أيضاً إلا بالمراكب، ولا يثبت عليه قدم لراجل أو راكب، وكم فرق تتفرق من ذلك البحر العريض الطويل، كل فرق أعظم من الفرات والنيل .[ 5 ]
.
.
وفاة بركة خان يرحمه الله :
.
.
فيها توفّى بركة خان بن توشى  بن چنكز خان ملك التّتار، هو ابن عمّ هولاكو المقدّم ذكره، وكانت مملكته عظيمة متّسعة جدّا وهى بعيدة عن بلادنا وله عساكر وافرة العدد، وكان بركة هذا يميل إلى المسلمين ميلا زائدا ويعظّم أهل العلم ويقصد الصلحاء ويتبرّك بهم. ووقع بينه وبين ابن عمّه هولاكو، وقاتله بسبب قتله للخليفة المستعصم بالله وغيره من المسلمين؛ وكان بينه وبين الملك الظاهر مودّة ويعظّم رسله، وكان قد أسلم هو وكثير من جنده وبنى المساجد وأقيمت الجمعة ببلاده، وكان جوادا عادلا شجاعا، ومات ببلاده فى هذه السنة وهو فى عشر الستين، وقام مقامه منكوتمر.[ 6 ]
.
.
ويذكر ابن كثير وفاته في هذه السنة فيقصول عنه وَهُوَ ابْنُ عَمِّ هُولَاكُو، وَقَدْ أَسْلَمَ بَرَكَةُ خَانَ هَذَا، وَكَانَ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَمِنْ أكبر حسناته كسره لهولاكو وتفريق جُنُودَهُ، وَكَانَ يُنَاصِحُ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ وَيُعَظِّمُهُ وَيُكْرِمُ رُسُلَهُ إِلَيْهِ، وَيُطْلِقُ لَهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَدْ قَامَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِهِ وهو منكوتمر بن طغان بن بابو بن تولى بن جنكيزخان، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَمِنْوَالِهِ وللَّه الْحَمْدُ.[ 7 ]
.
.
-----------------
المصادر :
[ 1 ] موقف ابن تيمية من الأشاعرة
تأليف: عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود.
[ 2 ] السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت في عهد المماليك الدكتور علي محمد محمد الصَّلاَّبِّي..
[ 3 ] البداية و النهاية ابن كثير رحمه الله..
[ 4 ] المصدر السابق..
[ 5 ] عجائب المقدور في أخبار تيمور
أبو محمد أحمد بن محمد، المعروف بابن عربشاه (المتوفى: 854هـ) .
[ 6 ] النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة يوسف بن تغري بردي.
[  7] البداية و النهاية ابن كثير..
.
.
مع التحية المَسّعُودْ هُمَٰيُونْ